المقداد السيوري

393

كنز العرفان في فقه القرآن

الحسن والكلام الطيّب فانّ ذلك أقرب إلى القبول والانقياد لا على وجه السفاهة والغلظة . قوله : « إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ » أي ليس عليك أن توقع فيهم الهداية ولا أن تردّهم عن الضلالة وإنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب واللَّه أعلم . السادسة : « مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ ولكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ الله ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » ( 1 ) . : « مَنْ » مبتدأ و : « فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ » خبره و : « إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ » مستثنى من قوله : « فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ » وقوله : « ولكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً » في المعنى بيان للكفرة أي الَّذين كفروا باللَّه [ و ] هم الَّذين تطيب ( 2 ) به قلوبهم لا بإكراه قيل إنّ جماعة ممّن أسلم من أهل مكَّة فتنوا وارتدّوا عن الإسلام طوعا وبعضهم أكرهوا وهم عمّار وأبواه ياسر وسميّة وصهيب وبلال وخبّاب أمّا سميّة فربطت بين بعيرين ووجئ في قبلها بحربة وقيل لها إنّك أسلمت طلبا للرجال فقتلت وقتل ياسر معها وأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه ونجا [ منهم ] ثمّ أخبر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله بذلك وقال قوم كفر عمّار فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : كلَّا إنّ عمّارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الايمان بلحمه ودمه وجاء عمّار إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وهو يبكي فقال صلَّى اللَّه عليه وآله ما وراءك قال شرّ يا رسول اللَّه ما تركت حتّى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير فجعل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله يمسح عينيه ويقول له : فان عادوا لك فعدلهم بما قلت ( 3 ) . ثمّ اعلم أنّ هنا فوائد : 1 - دلَّت الآية الكريمة على جواز التقيّة في الجملة وكذا قوله تعالى : « لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي

--> ( 1 ) النحل : 106 . ( 2 ) تطمئن ، خ . ( 3 ) راجع الدر المنثور ج 4 ص 132 .